بعد أن رحلَ عني شادي دون أن تعرِّج أيامي على ذكره، كان لابد من أن أحضر الخبز بنفسي وذلك بالبحث عنه في الحوانيت القريبة، إذ لم يكن بمقدوري الابتعاد أكثر من شارعين عن بيتي، لئلا أضيع ، حينها اللغة لن تسعفني ليعيدني أحدهم إلى البيت، وفي معظم الأحيان كنت أصل في الوقت الخطأ لأن الخبز يكون قد نفد!
كان الوضع جنونياً، كسلي كان يمنعني من الحياة، حتى طرقت بابي هذا الصباح (أم رأفت)، فتحتُ الباب كالِّلص، كان طيف امرأة يظهر أمامي، حدٌّقت بها حتى تبدَّت تماماً صورتها أمامي، أمرأة بكامل أنوثتها، أمرأة من زمن الأقحوان، والإبداع الإلهي، آية في الجمال الربَّاني والرقة واللباقة، كانت تحمل بيدها اليمنى كيس خبز، وباليد الأخرى تجرُّ حقيبة عربة، ملأتها بأكياس الخبز، ابتسمت لي، كانت خجولة كما البنفسج، رطبة كصباحات الربيع، سألتني:
- مابيلزمك خبز؟
، بينما تطرق الأبواب لإنفاق بضاعتها.
لا لا مابيلزمني.-
ثم تراجعتُ إلى الوراء لأغلق الباب في وجه أجمل مخلوق على وجه الأرض، أمام عشتار العصر، أما أم رأفت التي نكَّست رأسها لردي القبيح.
كدتُ أن أغلق الباب حين خطر لي خاطر، فأنا أقتات على قصص أولئك البشر، استغلُّ حكاياتهم لأكسب رزقي، فعدتُ إليها لأكون ألطف من ذي قبل، الأمر الذي رسم على وجهها علائم الدهشة من مخلوقة كسولة لا تطيق سماع صوتها، فكيف بها سماع صوت الآخرين!
منذ عدة أيام كنت قد قررت الابتعاد عن العالم الخارجي لفترة، لئلا أخسر المزيد من الذين كانوا يقتاتون على دمي ويسكنون قلبي، كنت محبطة تماماً في غربتي بعد أن غادرت سوريا وأنا على يقين بأنني ٍسأحظى بتقديري المناسب بينهم، وهم الذين يعرفونني جميعا قبل أن يلتقوا بي.
كانت حينذاك تطرق باباً مجاوراً لبابي، سألتها:
- ياسيدة أنا صحفية، هل لديك قصة تخبريني بها؟
لاأعلم لمّ الوقاحة المفرطة كانت مسيطرة عليًّ هذا الصباح؟ علماً أنني كنت قد نلت كفايتي من النوم.
التفت أم رأفت إليَّ وتقدَّمت مني بضع خطوات، سألتها مرة أخرى:
- لماذا تبيعين الخبز؟
ابتسامة موناليزا، لم تكن بأقدس من ابتسامتها، اقتربتْ أكثر لتخبرني موجز قصتها، على أنَّها لم تكن لتبيع أكياس الخبز ، إلا لحاجتها إلى شراء سماعات أذن لولديها الأصمَّين، كي يتمكنا من سماع أصوات الآخرين، فيحتفظ بهما ربُّ العمل الذي يعملان عندهُ، ويجنباها العمل المضني لسيدة جميلة مثلها وقد كثر في الآونة الأخرين الطامعين بالنساء السوريات.
لديها ولدين بعمر العشرين والخمس والعشرين ولكنهما لايسمعان لذا لايثبتان في عمل ، إذ ربُّ العمل يضطر إلى إقالتهما بسبب مشكلتهما في السمع، أما زوجها لم يتمكن من عبور الحدود التركية السورية بسبب داء السكري واستفحاله في جسده، وإن تمكن من العبور فإن أم رأفت ستضطر إلى إعالة ثلاثة رجال.
كنت أستمع إلى قصتها وفي قرارة نفسي بدأت صورتي تتشوه أمامي، هذه المرأة الجميلة تعمل بشرف لتعيل رجال بيتها، وأنا هذه البطة القبيحة أنام كسلاً، كم أنا عديمة النفع.
استأذنتها ودخلت إلى البيت لأعود إليها وفي يدي خمس ليرات تركية أمنحها إياها كانت آخر ماتبقى لدي بعد أن ابتعت عدة علبة دخان، لكنَّها رفضت بكل ما أوتيت من كبرياء ،فما كان مني إلا أن أبتاع منها الخبز ، ففعلت وحصلت على كيسي خبز، ثم حصلت منها على رقم هاتفها، وبذلك استطعت زرع الأمل في قلب امرأة سورية دفعتها الحرب المقيتة إلى هذا العمل.
حين غادرت ، بدا عليها شعور الرضا على أنها ليست وحدها في حاجتها، طالما أنا حصلت منها على رقم هاتفها ووعدتها بالعمل على تقديم يد العون لها، في تأمين السماعات لولديها الشابين، سمعت صوتها الحنون من الطابق السفلي وهي تدعو لي بالتوفيق.
كان صباحاً من رضى حظيت به بفضل السيدة أم رأفت.


0التعليقات